د. أيمن نور يكتب: وجوه نسائية لا تغيب – منيرة ثابت… رجل أم امرأة؟

كانت الكلمات عندها تخرج كأنها تعرف طريقها إلى الخطر، تمشي بثبات فوق أرضٍ تعرف أنها ملغومة، ولا تلتفت. لم تكن ترفع صوتها طلبًا للفت الانتباه، بل لأن الصمت في تلك اللحظة كان خيانة، ولأن السكوت حين يُفرض يتحوّل إلى جريمة مكتملة الأركان. في نبرتها شيء يقول إن الحقيقة لا تنتظر اكتمال الإجماع، وإن الشجاعة لا تحتاج إذنًا مسبقًا.
وُلدت منيرة ثابت في مطلع القرن العشرين، في زمنٍ كانت فيه مصر تتعلّم السياسة وهي تنظر خلف كتفها، وتتدرّب على الكلام بنصف جملة، وتؤجّل الأسئلة الثقيلة إلى أجل غير مسمّى. وسط صخب الاحتلال، ومساومات النخبة، وحيرة الشارع، ظلّ سؤال المرأة خارج الحساب، كأنه تفصيل يمكن تجاهله دون كلفة. هناك، في هذا الفراغ المقصود، تشكّل وعي منيرة المبكر.
لم تدخل عالم الصحافة من باب الصدفة، بل من باب القانون. درست الحقوق، فصار العقل عندها حادًّا كالنصل، لا يرضى بالزخرفة، ولا يطمئن للغة المواربة. كانت ترى أن الحقيقة إذا قيلت بنصف صوت فقدت معناها، وأن الجملة التي تُخفَّف لإرضاء الذوق العام تتحوّل إلى ديكور بلا روح.
في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن مألوفًا أن تقف امرأة وتكتب عن الحكومة، وتسائل القصر، وتُسمّي الاحتلال باسمه. كان مسموحًا لها أن تكتب عن المشاعر، أو عن البيت، أو عن “قضايا المرأة” بالمعنى الضيّق، أما أن تكتب عن الدولة، وعن الحق السياسي، وعن المشاركة، فذلك خروجٌ عن الدور المرسوم. ومنيرة ثابت اختارت الخروج بلا تردّد.
طالبت بحق الانتخاب للنساء لا بوصفه منحة، بل بوصفه استحقاقًا. ربطت بين هذا الحق ومشاركة النساء في ثورة 1919، حين خرجن إلى الشارع، ووقفن في مواجهة الخطر ذاته، ودفعن من بيوتهنّ وأجسادهنّ ثمن الوطن. كان سؤالها بسيطًا ومربكًا: كيف يُقصى من شارك؟ هذا السؤال وحده كان كافيًا ليصنع لها خصومًا أكثر مما يصنع لها أنصارًا.
واجهت منيرة الوسط الصحفي قبل أن تواجه السلطة. كانت تعرف أن الخوف لا يسكن القصور فقط، بل يسكن المكاتب أيضًا. كل محاولة حذف، وكل دعوة لتليين العبارة، كانت تراها اقتطاعًا من الحقيقة. لم تكن معنية بإرضاء أحد، لأنها كانت تعرف أن الحقيقة التي تُرضي الجميع ليست حقيقة.
حين أسست مجلتها «الأمل»، لم تكن تطلق مطبوعة جديدة، بل تفتح نافذة في جدارٍ سميك. كانت المجلة مساحة للقول الصريح، لا تعرف المراوغة، ولا تخشى العزلة. تعرّضت للمصادرة، وللملاحقة، لكنها بقيت شاهدة على أن الكلمة الحرة لا تُقاس بعمرها على الورق، بل بأثرها في الوعي.
في حياتها الخاصة، لم تكن منيرة أقل تعقيدًا من كتاباتها. دخل الحب حياتها، فوجدت نفسها أمام امتحانٍ قاسٍ: كيف تكون امرأة كاملة في مجتمع لا يحتمل إلا نصفها؟ حين خفَت الضوء، وطُلب منها أن تنسحب إلى الظل، عرفت أن المجتمع يصفّق للثائرة ما دامت بعيدة، لكنه يرتبك حين تصبح قريبة، وحين تطالب بأن تعيش كما تكتب.
عادت إلى الكتابة، وترشّحت للبرلمان، وسقطت. لم يكن السقوط هزيمة، بل مرآة لذاكرة عامة قصيرة، لا تحتفظ إلا بمن تُبقيهم السلطة في الضوء. الذاكرة، حين تُترك بلا عدالة، تنسى من سبقوا الزمن ودفعوا ثمن السبق وحدهم.
في سنواتها الأخيرة، عاشت المرض والوحدة، لا بوصفهما عقابًا، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ لم يعرف المساومة. لم تتبرأ من أسئلتها، ولم تطلب الصفح عنها. كانت تعرف أن السؤال، حتى لو أُهمل طويلًا، يظل حيًا، ينتظر لحظة الصدق القادمة.
لم تكن منيرة ثابت امرأةً من حجر، بل امرأة من لحمٍ وقلبٍ وارتباك. أخطأت وأصابت، ودفعت من عمرها ثمن كلمات قالتها قبل أن يصبح الزمن مستعدًا لها. لكنها تركت أثرًا لا يُقاس بعدد المناصب، بل بعدد العقول التي تجرّأت على الكلام بعدها.
بعض الوجوه لا تغيب لأنها انتصرت، بل لأنها رفضت أن تصمت. لأنها قالت الحقيقة وهي تعرف ثمنها، ومضت، تاركةً خلفها أثر خطواتٍ لا تمحوها السنوات، ولا يبتلعها النسيان. ومنيرة ثابت كانت واحدة من هؤلاء اللواتي سبقن الزمن، فدفعن فاتورة السبق كاملة، وبقين شاهدات على أن الكلمة حين تُقال في وقتها تصبح تاريخًا.



